الزواج .. سكن ومودة ورحمة

Posted on Updated on

بقلم: محمد لشيب/ المغرب

مجلة الوعي الإسلامي الكويتية / العدد 412 – بتاريخ: ذو الحجة 1420/ مارس-أبريل 2000 (*)

10360253_1075742999109487_321962764112321155_n

الزواج سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، سنة عامة مطردة، تشمل الكائنات كافة من إنسان وحيوان ونبات، يقول رب العزة جل وعلا: “ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون”.

ومؤسسة الزواج في الإسلام لها أهمية بالغة ومكانة معتبرة لما تشكله من أساس قوي لإنشاء الأسر، وبناء المجتمعات، وإقامة صرح الإنسانية.

فالزواج عماد الأسرة، به تنشأ وتتكون، وفي ظله تؤدي دورها ورسالتها في الحياة.

يذكر الله سبحانه وتعالى البشرية برباط الأسرة، ويدعو لمراعاة مقوماتها، وحفظ حقوق وواجبات أعضائها، واستحضار تقوى الله في كل ذلك: “يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا”.

والزواج في الإسلام ميثاق غليظ. ولم يصف القرآن الكريم ميثاقا بأنه غليظ إلا في ثلاث حالات:

أولها عند الحديث عن الميثاق الذي أخذه الله تعالى من الأنبياء عليهم السلام “وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم، ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا”.

ثانيها عن الميثاق الذي أخذه الله من بني إسرائيل “ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم، وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا، وقلنا لهم لا تعتدوا في السبت، وأخذنا منهم ميثاق غليظا”.

أما ثالثها فيتعلق برابطة الزواج، حيث يقول سبحانه وتعالى: “وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض، وأخذن منكم ميثاقا غليظا”.

إنه تعظيم لعقد الزواج الذي يستحل به الرجل المرأة التي يتزوجها، ومن ثم تعظيم لمكانة وقيمة الأسرة، وتشديد من الله عز وجل وإنذار منه بعواقب التعرض لهذا الميثاق الغليظ والعظيم بسوء.

والزواج في الإسلام عقد مبارك بين الرجل والمرأة يحل به كل منهما للآخر، يبدآن به رحلة الحياة مع بعض، متحابين، متعاونين، متسامحين، ومتآلفين .. يسكن كل منهما إلى شريكه، فيجد فيه الأنس، وفي صحبته المودة والطمأنينة، يتصلان ببعضهما البعض في جو تشيع فيه ذرى المحبة والألفة والثقة والتفاهم والرحمة، ويفوح منه عبير الود والسعادة والبهجة والنعيم.

“إنها الصلة الربانية في أوثق وشائجها، يعقدها رب العزة بين نفسي الزوجين، فيجمع قلبيهما في مؤسسة واحد، في بيت واحد، تحت سقف واحد، فيصيران قلبا واحدا، وحتى جسدا واحدا، وذلك مصداقا لقوله تعالى: “هن لباس لكم، وأنتم لباس لهن”

فالعلاقة الزوجية أشبه ما تكون بالعلاقة بين اللباس والجسد، يتصل قلباهما وروحهما كل بالآخر، فيستر كل منهما الآخر، ويحمي كل منهما قرينه من المؤثرات التي تفسد أخلاقه وتحط من عزته وكرامته وشرفه”.

وبهذا كان الزواج بابا من أبواب السعادة والنجاح، والطريق الأمثل لذوي الفطر السليمة إلى حياة هنيئة مطمئنة.

روى الإمام الطبري بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أربع من أصابهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها وماله”.

وعن عبدالله بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة”.

وللزواج في الإسلام حكم ومقاصد من أجلها شرع، ولغايتها يسعى الإنسان، وهو من آيات الله الكونية والإنسانية التي تدعونا إلى التذكر والتأمل فيها، وفي حكمتها ومقصدها، قال تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”.

فهذه الآية الكريمة تشير إلى فيض الحكمة الإلهية من الزواج، فهي تتلمس الغاية من ورائه، وتقررها حتى يستحضرها كل من الرجل والمرأة ويتفهماها، فتكون بذلك مدعاة إلى حفظ العلاقة الزوجية بينهما، والحرص على تطويرها.

إننا ندرك مدى حاجة الزوجين إلى الرباط النفسي بينهما، وهو ما اصطلح عليه القرآن الكريم (السكن)، والسكن أعم من أن يكون قاصرا على السكن الجنسي، بل هو أشمل وأوسع، إنه سكن النفس وراحتها واطمئنانها بالركون إلى شريك الحياة، سكن الروح إلى التعاون على طاعة الله عز وجل وتحقيق مرضاته والسمو في مدارج عبادته.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله” (رواه ابن ماجة).

فالسكن سكن النفس وسمو الروح وارتياح القلب واطمئنان البال …

السكن إحساس بالأمن والأمان، وشعور بالسعادة، وتعاون مثمر، وتبادل للآراء والمشورة في كل التفاصيل ..

وبهذا يكون السكن من لوازم الحياة معينا على الآخرة، وبعد السكن تأتي المودة، فالقلب يسكن إلى الآخر ويطمئن إليه، ويأوي إلى ظلاله وكنفه.

والمحبة تستأمن التعامل القائم بين الزوجين، واقترانهما وحرصهما على ما يفضل الآخر وما يحبه، فالحب ليس شعورا فقط، بل هو أكبر من ذلك، فان تحب معناه أن تخدم من تحبه، وأن تطيعه، وأن تضحي من أجله وتقدره وتفهمه، وتمنحه ذاتك، أن تسمعه وتتقبله … فإذا فعلت ذلك فإنك لن تجني فقط ثمرة المحبة، بل تنشأ عنها بعد ذلك الرحمة “وجعل بينكم مودة ورحمة”.

فالرحمة تنشأ بالتعاطف والحب، وتترعرع وتنمو وتزداد مع الانخراط في تكاليف الحياة وهمومها، وعلى رأسها التعاون على تربية الأولاد …

الرحمة بين الزوجين مدرسة تربوية متكاملة لصقل الإنسان وتحليته بالفضائل ومكارم الأخلاق لينشأ وقد رضع الرحمة والرفق والحنان، ولقد رأى الأقرع بن حابس النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن بن علي فقال: إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت واحدا منهم، فقال عليه الصلاة والسلام: “إن من لا يرحم لا يرحم” (رواه البخاري ومسلم).

هكذا تتجلى الحكمة من الزواج، وهذا تنبيه إلى ضرورة التفكير قبل الإقدام على تأسيس الأسرة، والوقوف على معاني رباطها المقدس، وبهذا يكون البيت المسلم الذي أسس على التقوى من أول يوم أقيم فيه حق على الله تبارك وتعالى أن يعين ركني (الرجل والمرأة) وأن يرعاهما برعايته حتى تحقق الأسرة المسلمة مرادها وسعادتها.

———————————————-

(*) ثمانية أشهر قبل زواجي في ديسمبر 2000 …

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s