مسلمو كينيا يعانون ثالوث الفقر والجهل والتهميش

Posted on Updated on

نيروبي – محمد لشيب | 2012-07-25

مسلمو كينيا يعانون ثالوث الفقر والجهل والتهميشمسلمو كينيا يعانون ثالوث الفقر والجهل والتهميش

يبدو أن الأقدار حكمت على مسلمي القارة السمراء أن يعيشوا المشاكل ذاتها مهما اختلفت بلدانهم وتفاصيل ظروفهم، جميعهم يشتركون في المعاناة من الثالوث الخطير: الفقر والجهل والتهميش، وهو ما يفتح الباب مشرعا أمام تكالب القوى الغربية للسيطرة عليهم بغية سلخهم عن دينهم وهويتهم ومحاربة لغتهم العربية في مقابل دعم شرائح وفئات أخرى في مجتمعاتهم تناصبهم العداء وتقف ضد تقدمهم ومصالحهم.

إنها المشاكل ذاتها التي وقفت عليها «العرب» خلال زيارتها لجمهورية جزر القمر المتحدة، وتحدثت عنها في تقارير رمضان المنصرم، حيث يشكل المسلمون الأغلبية، لكن أثر الاستعمار الفرنسي لما يزيد على 150 عاما وتجاهل الدول العربية والإسلامية لحاجيات القمريين ما زال يفعل فعله على أرض الواقع، وينعكس تخلفا وفقرا وتأخرا على كافة المستويات، إلا إذا استثنينا محاولات جادة كتلك التي تقودها دولة قطر هناك.
هي المشاكل ذاتها، يعيشها مسلمو جمهورية كينيا، لكن بحدة وعمق أكبر بسبب وضعية الأقلية التي يعيشوها في هذا البلد الإفريقي، حيث لا تجاوز نسبة من يدينون بالإسلام 35 بالمائة، أي أن عددهم يبلغ حوالي 8 ملايين مسلم ينتشرون في القطاع الساحلي في مدن باتا ولامو ومالندي وممباسا، وفي داخل كينيا وفي نيروبي وما حولها، كما ينتشرون في القطاع الكيني المجاور لحدود الصومال وأوجادين، ومن المسلمين بكينيا جالية هندية باكستانية، وجالية فارسية، هذا فضلاً عن الجالية العربية.
وينتشر الإسلام بين الجماعات التي تشكل غالبية سكان كينيا مثل البانتو، وبين النيلين الحاميين وبين العناصر الصومالية في شمال شرقي كينيا، كما دخلت قبيلة جلور الإسلام حديثاً في منطقة أتورو قرب مدينة كسومو.

جومو كينياتا
في رحلة الطائرة إلى نيروبي، اخترت تمضية الوقت بقراءة كتاب «قضية كينيا» لصاحبه الدكتور عبدالعزيز كامل المؤلف سنة 1961، أخذت من خلاله نظرة تاريخية عن هذه الجمهورية الإفريقية التي عانت منذ أوائل القرن السادس عشر الميلادي من الغزو البرتغالي حيث استولوا على المنطقة الساحلية من العرب الذين وصلوا للمنطقة قبل 2000 سنة، وتمكن العرب من هزيمة البرتغاليين في أواخر القرن السابع عشر واستعادوا السيطرة على المنطقة.
كما خضعت كينيا للاستعمار الألماني والبريطاني منذ 1888م الذي بدأ مستترا من خلف شركة شرق إفريقيا البريطانية، وحاول التصدي للإسلام بنشره للبعثات المسيحية، وقام هذا الاحتلال على أنقاض تمزيق (آل بوسعيد) الإسلامية، فأخذت ألمانيا القسم الجنوبي أي تنجانيقيا (حالياً تنزانيا) وأخذت بريطانيا كينيا والقسم الأكبر من الصومال، لكن حركات المقاومة والتحرر أثمرت استقلال البلاد سنة 1963م، وأعلنت بها الجمهورية في السنة التالية لاستقلالها.
وما إن تحط الطائرة رحالها بالعاصمة الكينية «نيروبي» حتى تصلك نفحات تلك المقاومة ومحاولات التحرر من الهيمنة الغربية فالمطار الرئيس بكينيا يحمل اسم أول رئيس للجمهورية بعد استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية «جومو كينياتا» صاحب ثورة «مواه مواه» التي سنتحدث عنها لاحقاً.
تقع كينيا شرقي إفريقيا، تمر بها الدائرة الاستوائية، وتمتد أرضها إلى دائرتي عرض خمس شمال الاستواء و30 – 40 في جنوبه تشرف بحدودها الشرقية على المحيط الهندي، وتجاورها أوغندا من الغرب، وتنزانيا من الجنوب، وإثيوبيا والسودان من الشمال والصومال من الشمال الشرقي. عاصمة كينيا هي مدينة نيروبي وتوجد بالمرتفعات الداخلية، ويفصلها عن الساحل خمسمئة كيلومتر تقريبا، ويليها مدينة ممباسا الواقعة على الساحل ثم مدينة تاكورو وكيسومو وتطل على بحيرة فكتوريا.
تبلغ مساحة كينيا 580.367 كيلومتراً، أراضيها تتنوع بين الجبال والسهول والمستنقعات، أعلى جبالها يبلغ 5.196 متراً، مناخها استوائي، وتتنوع أحوالها المناخية، فالمناطق الساحلية والسهول المجاورة لها مرتفعة الحرارة عالية الرطوبة، أما المناطق الجبلية فتنخفض حرارتها وتزداد أمطارها، ويقل المطر في أقصى الشمال، وتتحول المنطقة إلى طراز شبه صحراوي، ويعيش معظم سكان كينيا في النطاق المرتفع، أو بالقرب من السواحل، ونتيجة لتنوع المناخ يتنوع النبات الطبيعي بين الصحراوي والغابات الاستوائية.
يصل عدد سكان كينيا حسب إحصاءات 1988م إلى 33000 نسمة والغالبية العظمى منهم عناصر إفريقية، ويتكون الإفريقيون من الشعوب النيلية الحامية ومن البانتو أو من الحاميين، ويتشكل السكان من حوالي أربعين قبيلة من أبرزها قبائل الكيكويو والوو والكاما والكيس وميرو والتركانا والناندي ثم الماساي، وهناك جماعات آسيوية من العرب حوالي 50 ألف نسمة والهنود والباكستانيين والإيرانيين وعدد الآسيويين حوالي 60 ألف نسمة يضاف إلى هذا القطاع أربعون ألفاً من الأوروبيين.
يدين %45 من السكان بالبروتستانتية، و%33 هم كاثوليك، بينما لا تتجاوز نسبة المسلمين %10، و%0.3 بوذيين، %2 الباقي ديانات محلية.

الإسلام في كينيا
دخل الدين الإسلامي لكينيا مبكراً في العقد الأخير من القرن الهجري الأول عن طريق التجار العرب الذين أقاموا لهم على الجزر المقابلة لساحل شرقي إفريقيا، ثم بدأت الهجرات الإسلامية لهذا الساحل عندما انتشرت الخلافات في نهاية العصر الأموي، وظهرت إمارة إسلامية في لامو في شمالي مدينة ممباسا، وتوالت هجرات أخرى إلى بر (الزنج) وهو الاسم الذي أطلقه العرب على ساحل شرقي إفريقيا، كما ظهرت إمارة إسلامية بمدينة شنجايا.
وشهدت كينيا هجرات من شيراز عملت على تأسيس عدداً من المدن الإسلامية على ساحل شرقي إفريقيا منها كاسو، وكلوا، كما هاجر بنو نبهان من عمان إلى مدينة باتا التي تقع شمال مدينة لامو في كينيا.
أطلق على المسلمون في تلك الإمارات على سواحل شرقي إفريقيا اسم «السواحليون» وهم خليط من الأفارقة والشيرازيين والعرب، وبدأت تظهر اللغة السواحلية التي تعود في أصلها إلى اللغة والحروف العربية كما حكى لنا أحد الأساتذة الجامعيين المتخصصين.
انتشرت الدعوة الإسلامية من الساحل إلى الداخل مع تحركات المسلمين في التجارة، وفي بداية القرن السادس عشر تعرضت الإمارات العربية إلى حرب صليبية مدمرة، شنها البرتغاليون بعد اكتشافهم طريق رأس الرجاء الصالح، وتعاونت معهم الحبشة في هذه الحرب ضد الإسلام، تعقبتهم القوة العمانية في الساحل الإفريقي حتى قضت على نفوذهم في شرقي إفريقيا، وقامت دولة إسلامية سيطرت على هذا الساحل، وهاجرت إليها عناصر عربية عديدة.
وبدأت الصلات الثقافية بين شبه الجزيرة العربية، وساحل شرقي إفريقيا، واتسمت بالطابع الديني، وأرسلت البعثات إلى المدن العربية الإسلامية، وعاد أبناء شرقي إفريقيا لتعليم الإسلام وقواعده إلى شعوبهم وبرزت مدن إسلامية على الساحل الإفريقي مثل لامو، وممباسا، وتانجا وأصبحت مراكز إشعاع للدعوة الإسلامية.
وانتقل الإسلام إلى الداخل فتوغل في كينيا، وتنجانتقا، وموزمبيق، وأوغندا، ووصل إلى زائير، وازدهرت التجارة بين الساحل والداخل وأخذ الإسلام ينتشر في داخل شرقي إفريقيا مع التجارة، وظهرت مراكز تجارية مثل كيتوتو، وساباي وممباسا في داخل كينيا، ومثل طابورة واجيجي في تنجانيقا واتخذ العرب والسواحليون منها مراكز استقرار في الداخل.
ووصل الإسلام إلى كينيا عن طريق محور آخر، حيث كانت القبائل الصومالية دعامته، فانتقل الإسلام عن طريقهم إلى شمالي كينيا، وحيث انتشر بين القبائل التي تعيش في شمالي كينيا، وامتد نفوذ دولة آل بوسعيد من زنجبار إلى داخل شرقي إفريقيا خلف انتشار الإسلام.
وعندما فرض الاستعمار الألماني والإنجليزي سيطرتهما على هذه المنطقة عرقلا سريان الدعوة الإسلامية، وشجع البعثات المسيحية، وقاوم المسلمون الاستعمار والتنصير ونشبت الثورات في كينيا منها ثورة (وينو) في سنة 1890 م، وثورة (المازوري) في سنة 1895م، وانتشرت الثورات في ساحل كينيا.

الصراع السياسي
في القاعة الشرفية لمطار «جومو كينياتا» كانت إحدى القنوات التلفزيونية المحلية تعرض لبث مباشر من مقر المحكمة الجنائية الدولية لوقائع محاكمة وزراء متهمين بجرائم ضد الإنسانية شهدتها البلاد عقب الانتخابات الأخيرة التي ذهب ضحيتها أعداد كبيرة من المسلمين، الذين تضرروا كثيرا جراء الصراع وأعمال العنف التي اجتاحت البلاد، عقب الإعلان عن تلك النتائج، حيث شهدت مناطق يقطنها المسلمون جرائم قتل وأعمال نهب وإحراقاً للمنازل والمحلات التجارية المملوكة لهم.
رغم أن المسلمين لم يخوضوا غمار تلك الانتخابات الرئاسية الأخيرة في كينيا، فالمتنافسون على الرئاسة لم يكن من بينهم أي مرشح مسلم، ورغم أن الاعتراضات على نتائج الانتخابات قادها زعيم المعارضة غير المسلم، ضدّ رئيس الجمهورية غير المسلم أيضا، فإن المسلمين -مثل غيرهم- صدموا بهذه النتائج، حسبما أعلن رئيس «منتدى القيادات الإسلامية» عبدالله عبدي، ملقيا اللوم على «لجنة الانتخابات التي قصَّرت بدورها في عملية الفرز الدقيق لأصوات الناخبين».ليست وضعية المسلمين على الخارطة السياسية الكينية بأحسن حال من بقية أوضاعهم المزرية، حيث يعانون كأقلية من ظلم اجتماعي وسياسي واقتصادي، لأنهم لم يختاروا الانضواء تحت أي من المجموعات العرقية والإثنية المتنافسة على السلطة في البلاد، ذلك رغم الإقرار ببروزهم مؤخراً ككتلة مهمة ذات تأثير حاسم في الانتخابات، فقد سجل المسلمون موقفا مشرفا عندما خرجت قيادات المجلس الأعلى لمسلمي كينيا ومجلس الأئمة والدعاة التي تعد أهم مرجعيات المسلمين بكينيا تعلن للناس أنها لا تتدخل في خيارات الناخب المسلم، داعية الناس للتصويت على من يقنعه برنامجه، دون أن تكون هناك وصاية على المسلمين.
وسعى المتنافسون في الانتخابات لكسب ود المسلمين، حيث شارك الرئيس المنتهية ولايته آنذاك «مواي كيباكي» ومنافسه «رايلا أودينجا» المسلمين احتفالاتهم بعيد الفطر، كما اعتمد كيباكي -ولأول مرة- عيد الأضحى كعطلة رسمية في عموم كينيا، بعد أن كان عطلة خاصة بالمسلمين فقط دون غيرهم. كما شكَّلت لجنة عليا ضمت النائب العام، والسكرتير العام لوزارة الخارجية، ومندوبين من الوزارات لتقصي الحقائق حول شكوى المسلمين من وجود تمييز ديني ضدهم، من قِبَل الدوائر الحكومية، خاصة عند استخراج البطاقة الشخصية وجواز السفر.
وللمسلمين في كينيا العديد من الهيئات والجمعيات يزيد عددها على الخمسين، وسعى «المجلس الأعلى لمسلمي كينيا» للإشراف على هذه الهيئات التي حاولت معالجة ما تسبب فيه الحكم الاستعماري في أزمات للمسلمين في المجال الاقتصادي والثقافي، فلقد ضعف التعليم الإسلامي في كينيا، ولم ينشط لمواجهة البعثات التنصيرية، والمجال متسع لبث الدعوة الإسلامية، فنصف سكان كينيا ما زالوا على الوثنية.

الحلقة الأولى من مشاهدات كينيا بجريدة العرب

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s