مسجد «أبو القبيب» معلمٌ حضاري يزين قلب الدوحة

Posted on Updated on

محمد لشيب  – جريدة العرب | 2012-07-21

افتتحت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بحلول شهر رمضان المبارك مسجد «أبو القبيب»، أحد أقدم مساجد دولة قطر، وذلك بعدما نفذ المكتب الهندسي الخاص مشروع إعادة بناء وتوسعة هذا المسجد التاريخي، الذي يعود تأسيسه لعهد مؤسس الدولة الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني رحمه الله. وعمل المشروع على إعادة بناء المسجد وتطوير المنطقة المحيطة به ليستعيد رواده من جديد، بعد تجديده وتهيئة الساحة المجاورة له، لتستعيد معها مدينة الدوحة قلبها النابض بالحضارة والتاريخ والتراث، على اعتبار أن هذا المسجد مرتبط برمز الدولة ومؤسسها الأول، وكذلك بسبب موقعه الهام بمنطقة الأسواق وقربه من القلب التجاري النابض للمدينة وسوق واقف والكورنيش، وهو ما يضفي على مشروع إعادة إحياء المسجد أهمية قصوى ضمن سياسة الدولة الهادفة لحماية كافة المعالم التاريخية والحضارية في ظل النهضة العمرانية الكبيرة التي تشهدها البلاد.

ولمسجد «أبو القبيب» في مرحلته الثانية عام 1878م قصة بناء مثيرة ذات دلالة خاصة، حيث تقول القصة: إن الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني ذهب إلى الزبارة لمحاربة إحدى القبائل نتيجة قيام بعض أفرادها بالاستيلاء على بضائع تخص رعاياه، فطلب منهم التعويض فرفضت القبيلة، واحتمى رجالها بقلعة (مرير) في الزبارة، فحاصر الشيخ القلعة فترة من الزمن ثم اقتحمها بعد أن هجرها أهلها، فرأى داخل القلعة مسجداً لفت انتباهه، وكان سقفه مكوناً من عدة قباب، وعندما عاد الشيخ إلى البدع طلب من معماري شعبي اسمه (الهميلي) أن يذهب إلى الزبارة ويشاهد مسجد قلعة مرير ويبني له مسجداً مثله، فذهب (الهميلي) وألقى نظرة على المسجد ورجع، وبنى مسجداً شبيهاً بمسجد قلعة مرير وإن كان يفوقه حجماً، فمسجد قلعة مرير يساوي حجمه نصف حجم مسجد الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني.

عمارة أصيلة
ويؤكد الدكتور محمود رمضان في كتابه «مساجد قطر تاريخها وعمارتها»، أن تفاصيل بناء هذا المسجد تكشف عن استخدام التقنيات المعمارية الشعبية التي وصلت درجة كبيرة من العلم والكمال، سواء من حيث الاقتصاد في المواد والجهد، أو القدرة على التحمل والتكيف مع الطبيعة، حتى إن الرواة يذكرون أن الأمطار عندما كانت تهطل بغزارة، كانت بيوتهم الطينية تتداعى وتتساقط، فلا يجدون ملاذاً واحداً في الدوحة يحميهم من المطر إلا مسجد القبيب، وظل هذا المسجد بكل شموخ يقاوم عوامل الطبيعة القاسية أكثر من مائة عام دون الحاجة إلى ترميمات رئيسية.
ويؤكد أن مخطط هذا المسجد شبيه بمخطط المسجد النبوي، فهو مكون من بيت للصلاة مبني على ثلاثة صفوف من الأعمدة المربعة الغليظة، يتكون منها أربعة رواقات في اتجاه القبلة، بالإضافة إلى رواقين أحدهما في جهة الشمال والآخر في الجهة المقابلة أي الجنوب، أما من ناحية الشرق فالمئذنة وحجرة طويلة موجودة في وسطها، ومن الناحية الغربية كان هناك المحراب الذي يسمى أيضاً (الخلوة)، ويمكن الدخول إليه من داخل ملحق المسجد.
ويعتبر بيت الصلاة الجزء الهام من المسجد، وكان يحيط به جدار من ثلاث جهات شمالية وغربية وجنوبية، وفي هذا الجدار من جهة الشمال توجد أربع نوافذ للتهوية والإضاءة، ومن الجهة الغربية توجد ست نوافذ مع المحراب، أما الجهة الجنوبية فمطابقة للجهة الشمالية، أما الناحية الشرقية فقد كانت مفتوحة بأحد عشر قوساً على فناء المسجد، وكان السقف مبنياً بنظام القبة، ومجموع القبب التي كانت تشكل السقف أربع وأربعون قبة، بالإضافة إلى قبتين أصغر حجماً تغطيان سقف المحراب.
ويقول الباحث إن منارة المسجد في شرقي الجزيرة العربية عموماً ذات طابع مميز، لم أستطع ملاحظة شبيه لها في أي مكان آخر من الوطن العربي أو الإسلامي، فهي انسيابية تتضاءل كلما اتجهت إلى أعلى، وجذع المنارة أسطواني قائم على قاعدة مربعة، يدخل المؤذن من خلال باب القاعدة المربعة، ويصعد إلى أعلى عن طريق سلم حلزوني إلى أن يصل إلى قمة المنارة، وفي هذه القمة توجد أربع فتحات مطابقة للجهات الأصلية الأربع (شمال– غرب– جنوب– شرق)، ومن خلال هذه الفتحات ينطلق صوت المؤذن معلناً حلول وقت الصلاة.
أما بخصوص خامات البناء فإن الرئيسي فيها يعتمد الحصى والطين والجبس، وقد جلبت الصخور المرجانية المسطحة من البحر الذي لم يكن يبعد أكثر من أربعة أمتار عن سور المسجد الشمالي، وهذه الصخور شديدة الصلابة وقدرة احتمالها ومقاومتها كبيرة، فلا يمكن أن تتفتت بالرطوبة مثل الصخور الجيرية.
أما الطين فهو المادة التي استخدمت في ضم الصخور بعضها إلى بعض، وقد استخدم الجبس في عمليات (التشطيب) النهائية. ويقول الباحث إن المعماري الشعبي اعتمد في هذا البناء على تقنية القوس لمد الجسور بين الأعمدة حتى يحمل السقف عليها، والقبة للتسقيف.
اعتمد المسجد في تصميمه –كما يقول الدكتور محمود رمضان في كتاب «مساجد قطر تاريخها وعمارتها»- على الصحن المكشوف، وظلت القبلة التي تتكون من أربعة أروقة مسقوفة بقباب دائرية، تتقدمها سقيفة محمولة على عدة أعمدة، وهو النموذج أو الطراز الثاني والجديد لتخطيط المساجد في قطر في القرن 13ه/ 19م.
تبلغ مساحة المسجد مضافاً إليها الحرم الخارجي للمسجد حوالي 1698م، وهو مربع الشكل تقريباً، أبعاده من الخارج نحو 37.35م × 36.30م، ويتسع المسجد لما يقارب 950 مُصلياً.
بنيت جدرانه الخارجية من الحجر، وفتح في جداريه الشمالي والجنوبي بابان مستطيلا الشكل أيضاً، يدخل منهما إلى الصحن الرئيسي للمسجد، وهو صحن مكشوف.
أبعاده من الخارج 36.30م × 12.30م، وشغلت الزاوية الجنوبية الشرقية من الصحن بالمئذنة الرئيسية للمسجد، كما احتلت ميضأة المسجد الجهة الشرقية من الصحن أيضاً.
ظلة القبلة بالمسجد مستطيلة الشكل، أبعادها من الخارج 36.30م × 20.35م، وتتألف من أربعة أروقة مستطيلة الشكل تقريباً، أوسعها رواق القبلة، أبعاده نحو 36.30م × 5.30م، وهو عبارة عن بلاطة مستطيلة الشكل، فتح في جدارها حنية محراب نصف دائرية عميقة وخالية من الزخرفة، تبرز عن الجدار من الخارج، ويدخل من هذه الحنية إلى المنبر الحجري، ويكتنف المحراب من الجانبين ست عشرة نافذة فتحت في ذات الجدار، ثماني نوافذ في كل جانب، استغلت إحداها وهي الأولى على يسار المحراب كمدخل لإمام المسجد، أما الأروقة الثلاثة الباقية فمستطيلة الشكل، أبعادها نحو 36.30م × 5م، ويغطي ظلة القبلة كلها قباب دائرية مقامة على شكل مثلثات كروية ترتكز على مجموعة من العقود المدببة محمولة على أعمدة أسطوانية، وتفتح ظلة القبلة على الصحن بسقيفة محمولة على أعمدة أسطوانية الشكل، وفي الوقت الحاضر يتم تنفيذ مشروع إعادة بناء وتوسعة المسجد وتطوير المنطقة المحيطة به.

تقريري عن المسجد كما نشر بجريدة العرب

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s